(The Turkish Post) – الصفقات الأميركية لكل من تركيا واليونان يمكن النظر إليها من زاوية استراتيجية، يقوم بموجبها أعضاء حلف الناتو “بتقاسم الأعباء”، وهي استراتيجية تستهدف منها الولايات المتحدة تخفيف الالتزامات العسكرية والمالية التي تتحملها لضمان أمن أوروبا.
بعد سلسلة طويلة من التأجيلات والمفاوضات بين تركيا والولايات المتحدة، ومباشرة عقب موافقة البرلمان التركي على عضوية السويد في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وإيداع تركيا “صك التصديق” الخاص بانضمام السويد إلى الحلف لدى واشنطن، أخطرت وزارة الخارجية الأميركية الكونغرس بموافقتها على صفقة بيع هذا النوع من المقاتلات لتركيا في مقابل ما يقدر بنحو 23 مليار دولار، إلى جانب بيع طائرات مقاتلة متقدمة من نوع “F-35” لليونان بقيمة 8.6 مليار دولار.
يتبقى لتنفيذ هذه الصفقة إقرارها من جانب لجنتي العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ ومجلس النواب الأميركيين، وهو أمر يبدو متوقعاً بالنظر إلى أن العديد من الأعضاء الرئيسيين فيه سحبوا اعتراضاتهم السابقة على هذه الصفقة، وعلى رأسهم رئيس وعضو لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ السيناتور الديموقراطي عن ولاية ماريلاند بن كاردين.
صفقة عاجلة لسلاح الجو التركي
تنقسم هذه الصفقة إلى قسمين رئيسيين؛ الأول يستحوذ سلاح الجو التركي بموجبه على 40 مقاتلة من نوع “F-16”. أما القسم الثاني، فيتضمن حزم تحديث خاصة بتسع وسبعين مقاتلة عاملة حالياً في الأسطول التركي من نوع “F-16 Block 40/50” إلى الفئة “F-16V Viper”، تتضمن 48 محركاً جديداً من نوع ” F110-GE-129D” وأنظمة رادار، إلى جانب العديد من الأنظمة الفرعية والمعدات وقطع الغيار والتركيبات وطائفة كبيرة من الذخائر الجوية والتجهيزات الخاصة بها.
من حيث المبدأ، واجه سلاح الجو التركي خلال السنوات الماضية معضلة تتعلّق بحاجته الماسة لإدخال عشرات المقاتلات الجديدة في الخدمة، تمهيداً لإخراج ما تبقى في ترسانته من المقاتلات المتقادمة من نوع “F-4″، وكذا تحديث المقاتلات الأساسية في ترسانته من نوع “F-16″، إذ يمتلك حالياً 234 مقاتلة من نوع “F-16C/D” يستهدف تحديث نصفها على الأقل إلى المعيار (VIPER).
في البداية، كان السبيل المثالي لتحقيق ذلك هو دخول أنقرة ضمن برنامج إنتاج مقاتلة الجيل الخامس الأميركية “F-35″، وطلبها شراء نحو 100 مقاتلة من هذا النوع، إلا أن هذا المسار تم إجهاضه بعدما تم استبعاد تركيا من برنامج تصنيع هذه المقاتلة عام 2019، على خلفية استحواذها على منظومات الدفاع الجوي الروسية بعيدة المدى “S-400”.
وقد تزايدت الصعوبات التي واجهت سلاح الجو التركي بعد ذلك في مسار تحديث ترسانته من الطائرات، نتيجة للعقوبات العسكرية التي فرضتها نحو 10 دول – منها الولايات المتحدة الأميركية – على الجيش التركي، على خلفية عملياته العسكرية ضد الكرد في شمال شرق سوريا، سواء عبر حرمانه من امتلاك مقاتلة الجيل الخامس “F-35” أو الحظر الذي تم فرضه على منح تراخيص تصدير عسكرية أمريكية لأي أسلحة أو تقنيات عسكرية إلى أنقرة، وهو الذي شمل أيضاً تراخيص إعادة تصدير الأسلحة الأمريكية الصنع من تركيا إلى دولة ثالثة.
بحث أنقرة عن بدائل لمسار “إف-35” المتوقف
بعد توقف مسار حصول سلاح الجو التركي على مقاتلات “F-35″، بحثت أنقرة في عدة بدائل يمكن من خلالها تحديث ترسانتها الجوية، بداية من التلويح بإمكانية شراء مقاتلات غير أميركية المنشأ. وعلى الرغم من أن بعض التحليلات أشار إلى أن هذا التلويح في مجمله كان محاولة تركية للضغط على الولايات المتحدة، فإن سلاح الجو التركي بحث بالفعل إمكانية تنفيذ هذا التهديد، في ظل وجود عرض روسي بشأن مقاتلات الجيل الخامس “SU-57”.
وقد ذكر وزير الدفاع التركي أواخر العام الماضي، أمام جلسة استماع بالبرلمان، أن تركيا تعمل على شراء 40 مقاتلة من نوع “Typhoon”، وأن المباحثات مع كل من إسبانيا وبريطانيا وصلت إلى مرحلة متقدمة في هذا الصدد، ولم يتبقَ سوى التفاوض مع ألمانيا التي كان موقفها، وما زال، رافضاً لإتمام هذه الصفقة.
كان البديل الأكثر منطقية في مثل الظروف القائمة هو الحصول على مزيد من مقاتلات “F-16” الأميركية، ناهيك بإمكانية تحققه بشكل سريع، وخصوصاً أن القوات الجوية التركية تعد ثالث أكبر مشغلي هذا النوع من المقاتلات. وقد شاركت الصناعة الحربية التركية في عمليات إنتاجها، سواء عير الجمع المحلي أو عمليات إنتاج أجزاء أساسية في بدنها وأنظمتها.
وقد قدمت تركيا بشكل رسمي في تشرين الأول/أكتوبر 2021 طلباً للولايات المتحدة الأميركية لشراء 40 مقاتلة من هذا النوع، ولكن في تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه ظهرت عدة محاذير أميركية حول هذه الصفقة، أهمها كان يتعلق بضرورة موافقة تركيا على انضمام السويد إلى حلف الناتو. وظلت الولايات المتحدة الأميركية خلال عدة مناسبات تربط بين تجاوب أنقرة مع هذا الشرط وموافقتها على هذه الصفقة.
بالتزامن مع مسير أنقرة قدماً في الخيار السابق، عملت على إطلاق برنامج محلي لتحديث واستدامة أسطولها الحالي من مقاتلات “F-16″، تحت اسم “OZGUR”، يتضمن دمج الأنظمة التسليحية تركية الصنع على متن هذه المقاتلات.
لكن اتسم التقدم في هذا البرنامج بالبطء الشديد لاعتبارات لوجيستية ومالية، إذ تم إنهاء تحديث أول مقاتلة من هذا النوع في منتصف عام 2023، ناهيك بأن هذا البرنامج يركز على دمج الأنظمة التسليحية محلية الصنع أكثر من تنفيذ عمليات تحديث جذرية وأساسية على أنظمة وبدن المقاتلات المستهدفة.
سرعت أنقرة كذلك جهود تطوير أنظمة جوية محلية الصنع مأهولة وغير مأهولة، مثل الأنظمة غير المأهولة “ANKA-3” و”Kizilelma”، إلى جانب برنامج مقاتلة الجيل الخامس المأهولة محلية الصنع “TF-X kaan”.
وعلى الرغم من بدء عمليات الاختبار الأولية الخاصة به، فإنَّ علامات استفهام عدة تثار بشأن إمكانية دخوله في المدى القريب في مرحلة الإنتاج الكمي، وخصوصاً تلك المتعلقة بالمحرك الخاص بهذه المقاتلة، والذي ستنتجه





















